الشيخ عبد العزيز الثعالبي ودوره في الدّفاع عن القدس
إنه مجاهد كبير، وعلم من أعلام الوطنية والإصلاح، وداعية من أبرز الدعاة إلى العروبة والإسلام في عصره الذي تميز بظهور عدد من العمالقة الذين وقفوا في وجه الطوفان القادم مع الاستعمار الغربي، احتلالاً للبلاد، وتشويهاً لقيم العروبة والإسلام، وتدميراً للنفوس بتدمير أخلاقها، وغزواً ثقافياً عمل على تخريب المجتمعات العربية والإسلامية، بإحلال قيم مكان قيم، ونهب الثروات، وإفقار الناس..
إنه من جيل الرواد الذين ظهروا في أواخر القرن التاسع عشر، وأوائل القرن العشرين وهو جيل فريد في تكامل شخصيته.. فهو جيل السياسة، والجهاد، والاقتصاد، والإصلاح الاجتماعي، والديني، جيل التضحية بكل شيء في سبل المثل التي يدافع عنها، والأرض التي احتلها الأجنبي، والشعب العربي المسلم الذي يستذله ويضطهده. كان الشيخ عبد العزيز الثعالبي مجاهداً فذاً يقاتل على أكثر من جبهة، وفي أكثر من ميدان.. يقاتل طغياناً غربياً شرساً متوحشاً لا يرحم، وتحمّل في جهاده هذا الكثير من الأذى، اعتقالاً، وتعذيباً، ومحاكمات، ونفياً، ومصادرة، وتشويهاً للسمعة، ولم يعبأ بما أصابه من ألوان الإيذاء، لأنه يجاهد في سبيل الله، ومن أجل هذه الأمة، من أجل دينها، وقيمها، وأرضها، وثرواتها، وكرامتها.
المولد والنشأة:
ولد الشيخ عبد العزيز الثعالبي في مدينة تونس عام 1874م في أسرة علم وفضل ودين وجهاد، ومن أصل جزائري، وترعرع في رعاية جدّه المجاهد عبد الرحمن الثعالبي الذي كان من مجاهدي الجزائر ووجهائها المعروفين، فتخلّق بأخلاقه، وتشبّع بمبادئه وقيمه.
كان جدّه عبد الرحمن هذا، مجاهداً قاتل الفرنسيين الذين غزوا بلاده (الجزائر) عام 1830 وأصيب برصاصات في صدره، وكان له دور متميز، رفض إغراءات كبيرة حاول الاستعمار إغراءه بها، كمنصب قاضي القضاة، ثم غادر مدينته (بجاية) إلى تونس، مخلّفاً وراءه بيته وعقاره وأمتعته، وأهله، ووطنه. حفظ عبد العزيز القرآن الكريم منذ نعومة أظفاره، ودرس النحو والعقائد والآداب قبل أن يلتحق بجامع الزيتونة الذي أمضى فيه سبع سنين، وتخرج فيه عام 1896 حاملاً شهادة التطويع، ثم تابع دراسته العليا في المدرسة الخلدونية، ثم انخرط في الحياة العامة، مجاهداً في سبيل الله، كما كان جدّه، ومن أجل النهوض بشعبه التونسي، وأمته العربية والإسلامية.
دور الثعالبي في الحركة الوطنية في تونس
غزت فرنسا البلاد التونسية بجيش قوامه ثلاثون ألف مقاتل، واضطر (الباي) إلى توقيع معاهدة (باردو) وإعلان الحماية على البلاد في 12/5/1881 ولم يعترف الشعب التونسي بهذه المعاهدة، وهب يدافع عن أرضه وكرامته، ولكن الوحشية الفرنسية نكلت به، حتى اضطرته إلى الهدوء لأنه لم يعد من الممكن له، الاستمرار في المقاومة المسلحة، ولكن إلقاء السلاح لا يعني السكوت على الاحتلال والاستعمار، فقد اضطلع عدد من العلماء والمفكرين والسياسيين بالعمل السياسي لتحرير الوطن، وكان في طليعة هؤلاء الشيخ عبد العزيز الثعالبي رحمه الله.
وقد اعتبره الفرنسيون عدوهم الأول، وحق لهم ذلك، فمنذ أن غزا الفرنسيون بلاده التونسية وهو في السابعة من عمره، لم تفارق ذاكرته ما وعته من ذلك الاجتياح الهمجي لجيش همجي جاء ليحتل ويقتل وينهب ويغتصب ويسكر ويعتدي على الحرمات، كما لم ينس الدموع التي غسلت لحية جده المجاهد، وهو يرى الفرنسيين يحتلون تونس، بعد أن احتلوا بلده الجزائر.
وذات مساء ، وبينما كان الثعالبي يؤكد لبعض أصدقائه : " إننا فيتونس لسنا شعبا منعزلا ، بل نحن جزء من أمة كبيرة ، أمة عظيمة " ، داهم جنودالاحتلال البشعون الرجل وأصدقاءه ، في مكتب الجريدة ، وصادروا كل ما فيها ،وأغلقوها ، واعتقلوا الثعالبي وأبلغوه قرار الحاكم العام بنفيه إلى خارج وطنه ، إلىمصر .
ضحك الثعالبي وهو يقول : لو أن هذا الحاكم الأجنبيالأبله قرأ التاريخ ، وعرف من نحن ، لما قرر إبعادي إلى مصر ، فهو يظن أنه يقهرنيإذ يبعدني عن وطني ، مع أن مصر مثل تونس ، وطني .
كان ذلك في عام 1901 ، أي عندما بلغ الثعالبي سن السابعة والعشرين ، كان شابا شجاعا عنيدا ، لايمكن أن يصبر على " الإبعاد " ، فها هو يعود متخفيا ،بعد أقل من سنة ، إلى تونس ، ويقول لأصدقائه في المخبأ :أتدرونما اكتشفت في مصر ؟ اكتشفت أننا لسنا وحدنا الذين نعاني مما نحن فيه ، فعندنا فيتونس ظلم مماثل ، متجسد بالاستعمار الفرنسي ، وعندنا في مصر ظلم مماثل متجسدبالاستعمار البريطاني ، وفي القاهرة وفي أروقة الجامع الأزهر ، لقيت إخوانا عربا ،من سائر أقطار وطننا الكبير ، ومن أحاديثهم صرت واثقا كل الثقة ، من صحة نظريتيالتي كنت أحدثكم عنها قبل سفري .
يا إخواني : نحنالعرب أمة واحدة ، العرب كل العرب أعني ، لا أبناء المغرب العربي فحسب .
وبعد انتهاء الحرب، استأنف الثعالبي نضاله، وسافر إلى باريس لشرح قضية بلاده، فقبضوا عليه سنة 1920 وكانوا ينقلونه بين السجون التونسية والفرنسية، ثم نفوه من البلاد في آب 1923.
وكان الثعالبي يؤمن بالعمل الجماعي، فانخرط في حركة تونس الفتاة التي تدعو إلى الاستقلال التام قبل كل شيء، ثم رأس حزب الدستور الذي اتخذ خطة أقل وضوحاً من خطة حركة تونس الفتاة، ولعل قادة حزب الدستور كانوا يرون في هذا الغموض سياسة تسمح لهم بقطع مرحلة يتمكنون فيها من إعادة تنظيم أنفسهم. كانت حياته السياسية حافلة بالأحداث الجسام، فقد أمضى زهرة عمره بين السجون والمنافي والمحاكم والرحلات.فهذا الصحفي الشاب الفقير ، ذو النظارة الطبية ، كان يخيف الحاكم العام الفرنسي ،المعربد بقواته العسكرية ، وأجهزة الفتك والقمع الرهيبة التي تحت تصرفه ، لقد كانيخاف من كلام عبد العزيز الثعالبي ، لأن هذا البطل الوطني النبيل كان يعرف كيف ينبهالشعب إلى ألاعيب المستعمر ، ويفضح مؤامراته ، وهو يدعوا إلى مقاومة هذا المحتلالأجنبي ، وطرده من البلاد ، وهو يوقظ الناس إلى حقهم في الحياة الحرة ، " فتونس للتونسيين " ،" ونحن شعب حي ، وأحفادأجداد عظام ، منا النبي العربي العظيم ، وعمر ، وعلي ، وسعد ، وخالد ، وصلاح الدين، فكيف نرضى بأن نكون عبيدا ؟! " .
قضايا الأمة
لم يكن الشيخ عبد العزيز الثعالبي ليحصر همه فيما يعانيه وطنه المستعمر فحسب بل كان يحمل هموم الأمة على عاتقه، ويسعى إلى تقديم ما يستطيع من عون ومساعدة لها، وهذا ما نلمسه في حياته ورحلاته ومذكراته وكتاباته ومحاضراته.
فقد وقف إلى جانب ليبيا في حربها مع الاستعمار الإيطالي عام 1911، ودعا إلى تقديم العون العسكري والمادي والمعنوي لها.
وحضر مؤتمر القدس، وصار المستشار الأول للمفتي الحاج أمين الحسيني، وألقى محاضرات سياسية، ودروساً دينية فيها، ودعا الفلسطينيين عامة، والشباب منهم خاصة، إلى الإعداد والاستعداد والجهاد من أجل التحرر من ربقة الاستعمار الإنكليزي، والتصدي للخطر اليهودي القادم، ومن أجل استعادة مجد الأمة وعزتها، وكان يصور لهم الواقع أصدق تصوير، ويعتمد فيما يقول على الأدلة العقلية الفلسفية مبسطة في سلاسة مدهشة يفهمها العامي ويطرب لها، وكان يعلو بها بالمثقفين على شتى مستوياتهم الثقافية، وقد وصفته الصحف الفلسطينية بأنه ابن خلدون الجديد. وليس هذا الوصف بكبير على رجل مفكر عملاق يقف في صف واحد مع الأفغاني، ومحمد عبده، والكواكبي وسواهم من العمالقة الكبار.
قالوا في الثعالبي:
ويسألون الرصافيأن يحدثهم عن الشيخ الثعالبي ، فيقول : "إنهأعظم خطيب عرفته أمتنا العربية" . ويسألون الشيخ عز الدين القسام أن يحدثهم عن الشيخالثعالبي فيقول : "إنه بطل عربي عظيم ، شارك معنا في الثورة المسلحة".
ويسألون عنه أهل دمشق فيقولون : "الثعالبي ربط حركةالتحرر الوطني في أقطار المغرب العربي بحركة التحرر الوطني في أقطار المشرق العربي" .
ويسألون عنه أهل بيروت فيقولون : "إنه طاقةفكرية رائعة ، وأن ذهنه الوقاد منارة وطنية ، سواء في مقالاته أو خطاباته أوأحاديثه الشيقة المفيدة" .
ويسألون عنه أهل القدس ،فيقولون : "الثعالبي دلنا على طريق قويم ، كفيل بالتصدي للمخططات الصهيونية وإفشالها، وكم نصحنا بأن ننشئ في القدس جامعة إسلامية على غرار الجامع الأزهر بمصر" !!
ويسألون عن أهل القاهرة ، فيقولون : "الثعالبي ـحسب علمنا ـ أول من نادى بتوحيد الأمة العربية من المحيط إلى الخليج" .
ويسألون عنه أهل تونس ، فيقولون : "غاب عناالثعالبي في رحلته الأخيرة ثلاث عشرة سنة ، حتى عاد إلينا على الرغم من أنفالمستعمرين ، في عام 1936 ، عاد إلينا ليدعو إلى توحيد أقطار المغرب كخطوة لتوحيدالمغرب كله مع بقية الأقطار العربية ، فكان جواب المستعمرين أن أرسلوا إليه من أطلقعليه النار غدرا"
شهادة رئيس المؤتمر الإسلامي بالقدس مفتي فلسطين الحاج أمين الحسيني:
"...ولا نغالي إذ قلنا أنّ حضرته أصبح بفضل علمه الغزير وجهاده المنقطع النظير رجل المسلمين والعرب لا رجل تونس الخضراء وحدها وإنّ لسيادته الفضل الأكبر في القيام بمهمّة هذا المؤتمر الإسلامي العامّ الّذي نرجو منه الخير لهذه البقاع المشرّفة في هذه البلاد المقدّسة للمسلمين عامّة". رسالة إلى أعضاء الحزب الحرّ الدستوري 18اكتوبر 1931
ويضيف في رسالة أخرى:
"وأنتم أدرى الناس بأنّ من غايات المؤتمر الّذي لكم الفضل الأكبر في إنجاحه أن يشكّل مركز إسلامي يعضد العالم الإسلامي" رسالة إلى الثعالبي 20 يناير 1932.
المؤتمر الإسلامي بالقدس ودور الثعالبي في انعقاده للدفاع عن القدس الشريف .
انعقد المؤتمر الإسلامي ببيت المقدس ليلة الإسراء والمعراج المباركة في 27 رجب 1350هـ الموافق ل 7 ديسمبر 1931 ودعي إليه أعيان وكبار العالم الإسلامي في جميع الأقطار لينظر في شؤون المسلمين عامّة وللدفاع عن إسلامية بيت المقدس وعروبته مع تزايد التهديدات الصهيونية لفلسطين والقدس وقد لقي المؤتمر معارضة بريطانية شرسة ، وحملة صهيونية كبيرة لمنع انعقاده .
ورغم ذلك نجح الحاج أمين الحسيني ، ومعه عبد العزيز الثعالبي من تونس ، وشوكت علي من الهند في جمع مئة وخمس وأربعين شخصية إسلامية من اثنين وعشرين بلدا في المسجد الأقصى المبارك ، وفي ليلة الإسراء والمعراج المباركة . ومن أبرز الشخصيات التي حضرت المؤتمر العلامة الشيخ رشيد رضا ، وشيخ الأزهر محمد الحسين آل كاشف الغطاء الذي أم المسلمين في الصلاة في المسجد الأقصى ، والسيد محسن الأمين ، والشيخ أحمد رضا ، والشيخ أحمد عارف الزين، من علماء جبل عامل .وشاعر الهند الفيلسوف ، محمد إقبال .. وغيرهم كثيرون .
أهداف المؤتمر:
- كان طبيعيا بوجود مثل هذا الحشد من الشخصيات الفاعلة في العالم الإسلامي ، أن يتحول المؤتمر في بيت المقدس ، إلى بحث الحالة العامة للمسلمين في مختلف بقاع العالم الإسلامي ، وهذا ما انعكس في مداولات المؤتمرين وقراراتهم .
- فيما يتعلق ببيت المقدس ، قرر المؤتمر انتخاب لجنة خاصة تطوف على جميع الملوك والأمراء والأثرياء المسلمين لجمع التبرعات ، ويسمى الذين يتبرعون بمبالغ وافية :" حماة المسجد الأقصى " ، وتنقش أسماؤهم في لوحات تعلق في المسجد .
وكذلك ، إنشاء جامعة إسلامية عليا في القدس تفي بحاجة المسلمين في دينهم ودنياهم ، وتسمى جامعة المسجد الأقصى الإسلامية .
يذكر أن تبرعات وصلت إلى الحاج أمين ، بهدف إنشاء الجامعة المذكورة ، إلا أن سلطات الاحتلال البريطاني عطلت المشروع ، وضغطت على العديد من قادة الدول الإسلامية ، لوقف التبرعات لهذا المشروع. من أهداف هذا المؤتمر كذلك المحافظة على البقاع المشرّفة الّتي نالت قدسيّتها وحرمتها من نصوص الدين ورسخت في النفوس والتّصدّي لكلّ مؤامرات الصهاينة لتهويد القدس.
" وانعقاد المؤتمر سيكون في الواقع ضربة قاصمة لظهر الصهيونيّة ومعطّلا لنشاطها لأنّ أولى غاياته ستكون المحافظة ليس على بقاعها المقدسة فحسب بل وعلى كلّ شبر من أراضيها وإنجاد الفلسطينيين بكلّ المقوّمات اللازمة لجهادهم ضدّ كلّ سطوة استعماريّة وسيكون كلّ عضو من أعضاء المؤتمر لسان صدق في قومه وبلاده ينذرهم بالأخطار الّتي تهددّ الإسلام..وبذلك تكتسب القضيّة الفلسطينيّة صبغة إسلامية عالميّة وتصير فلسطين قبلة الأنظار في العالم الإسلامي بأسره"[1] - استنكر المؤتمر قرار لجنة البراق الدولية ، السماح لليهود بأداء الطقوس أمام الحائط في الأعياد اليهودية ، مؤكدا الاستمرار في الاحتجاجات ضد الهجرة الصهيونية ، وضد السماح ببيع الأراضي لليهود مع احتفاظ فلسطين بحق تقرير مصيرها بنفسها .
المؤامرة ضدّ المؤتمر ومساعي الثعالبي لإحباطها والدّفاع عن انعقاده:
يمكن أن نلخّص جملة الاتهامات الّتي رمي بها المؤتمر في عدد من الإشاعات الّتي أطلقها الصهاينة لتنفيذ أغراضهم ومآربهم وهدم كلّ حركة يراد منها تدعيم كيان الأمّة العربيّة في فلسطين وأهمّها:
- دعوى الخلافة: وهي مسألة مثار مشاكل وخلافات بين المسلمين وكان هدف إثارة هذه القضيّة لكي يصرفوا الطامعين فيها والخائفين منها عن الانضمام إلى المؤتمر وما لبثوا أن وجدوا لهم سندا في ذلك من جريدة "البالسين بوليتين" الصهيونيّة اعتمادا على تصريحات زعمت أنّها نقلتها على لسان شوكت علي زعيم من زعماء مسلمي الهند فقد أسندا إليه في جملة ما نقلته عنه: أنّه يسعى لجعل الخلافة في بيت المقدس وبجلب الخليفة السلطان محمد وحيد الدين إليها والحال أنّ هذا الخليفة قد توفّي قبل تاريخ هذا الحديث ببضع سنين وكان ذلك في 15 ماي 1926.
وقد صحّح الصهاينة غلطتهم بعد ذلك بوضع اسم الخليفة عبد المجيد الّذي خلع في مارس 1924 بعدما ألغت الحكومة التركيّة الخلافة بدلا من اسم الخليفة وحيد الدين، ونشطت شركات البرقيات اليهوديّة وروتر وغيرها من الوكالات لإذاعة هذا الهذيان وتناقلته عنها الصحف الأخرى في جميع الأقطار حتى بات من القضايا المسلّمة أنّ مهمّة المؤتمر أصبحت مرتبطة بإيجاد خليفة للمسلمين واتّخاذ فلسطين مقرّا لهذه الخلافة.
← وهنا كان الدور الريادي لعبد العزيز الثعالبي لتكذيب هذه الدعاوى وعقد المؤتمر وإنجاحه وقد تجسّدت مساعي الثعالبي في عدد من اللقاءات والمقالات والرسائل الّتي رام من ورائها تصحيح النظرة للمؤتمر ومنها يمكن أن نذكر ما يلي:
· " أمّا مسالة المؤتمر فقد عني بها منذ أكثر من سنتين والجهود لم تزل مصروفة في سبيل عقده، وخصوصا حين ظهرت مسألة البراق الشريف وقد نضجت أخيرا وحضرت أكثر الجلسات التي عقدت لوضع القانون الأساسي للمؤتمر وبرنامج أعماله واشتركت فيها وأؤكد لكم تأكيدا قاطعا أنّه لم يشهد هذه الجلسات احد من إخواننا المصريين ومولانا شوكت علي نفسه لم يكن عضوا في اللجنة التحضيريّة ولم يحضر إلاّ جلسة واحدة ولم يدر قطّ في الجلسات الّتي تكرّر عقدها مدّة شهرين كلام ما على الخلافة الإسلامية أو من هو الّذي يتولّى أمرها...
وأستطيع أن أصرّح لكم لا عن نفسي وحدي بل وعن الأصدقاء الكرام الّذين اشتركوا في مداولات اللجنة التحضيريّة أن مسألة الخلافة لا تشغل أفكارهم ولن يكون لها ذكر في المؤتمر القادم الّذي سيشتغل بالنظر في الوسائل الفعّالة لحفظ البقاع المشرّفة في فلسطين وصيانتها وكذلك بوضع مؤسسات لإيجاد ثقافة إسلامية عالية تمدّ المسلمين بكلّ ما يحتاجون إليه من علوم وفنون وكتب وتغذيتهم روحيّا وعقليّا بكلّ ما تقوم به نهضتهم الاجتماعيّة الحديثة وكذلك التفكير في إيجاد موارد ماليّة للإنفاق على هذه المشروعات وقوية الروابط الاجتماعيّة بين المسلمين..وكلّ ما يقال غير ذلك فهو من قبيل الروايات الخياليّة الّتي يحكيها الدعاة الصهيونيون ويقصدون بها إفساد المساعي لعقد المؤتمر وكذلك إحداث قلق في أفكار البعض من الدول الإسلامية الّتي لا يسرّها فتح الباب للكلام في مسالة الخلافة في الوقت الحاضر"[2]
· وفي اجتماع الأستاذ الثعالبي بفضيلة شيخ الأزهر الشيخ الأحمدي الظواهري لمحاولة تصحيح موقفه من المؤتمر وتوضيح أهدافه وغاياته يقول الثعالبي في هذا السياق:
" المطالب الّتي ستعرض على المؤتمر وهي الّتي دعي من أجلها الانعقاد منها حراسة جدار البراق وتثبيت أقدام العرب في فلسطين بواسطة تقرير مشروع شراء الأرض ووقفها على وجوه البرّ والدفاع عن وقفيّة سكّة حديد الحجاز وإنشاء جامعة المسجد الأقصى وإحداث ثقافة إسلامية عالميّة .."
وهنا تكلّم الشيخ في صيغة حازمة عليها مسحة من الندم فقال:" ما مضى مضى فلا عتاب ولا ملامة وسآمر الآن بوقف الحملة". ← وكانت نتيجة هذه الجهود المبذولة من عبد العزيز الثعالبي وغيره من الأشراف الغيورين على عزّة الوطن المتصدّين للهجمات الصهيونيّة على الأراضي العربيّة النجاح في عقد المؤتمر وتمرير أهدافه.
وفاته:
توفي المجاهد الكبير عام 1944 بعد حياة حافلة بالكفاح، لم يذق خلالها طعم الراحة، ولا سعى لمصلحة ذاتية، فقد أعطى كل ما وهبه الله لقضية بلاده، ولقضايا العرب والمسلمين، ولقي الألاقي في سبيل ذلك، وقد كان كما وصفه العلامة محمد الفاضل بن عاشور:
"برز الثعالبي بعد الحرب العالمية الأولى، بما له من ماضٍ في السياسة والإصلاح الديني والاجتماعي، فبعث معالم النهضة التونسية، وأصبح زعيم النهضة المطلق". رحمه الله رحمة واسعة.