في رسالة مفتوحة إلى محكمة أمستردام دافعوا فيها عن الإسلام والقرآن
مستشرقون هولنديون:
استشهاد "فيلدرز" من القرآن مضلل

النائب جيرت فيلدرز صاحب فيلم فتنة المسئ
أمستردام - وجه ستة مستشرقين وخبراء في علوم القرآن الكريم والقانون في هولندا رسالة مفتوحة إلى محكمة أمستردام التي تنظر لوائح الاتهام الموجهة ضد النائب اليميني المتطرف جيرت فيلدرز، أكدوا فيها أن استشهاداته من القرآن التي أوردها فيلمه "فتنة" المسيء للإسلام "مضللة ومقطوعة من سياقها".
وتعد هذه الرسالة، بحسب كاتبيها، ردا غير مباشر على طلب فيلدرز من المحكمة إحضار 18 شاهدا، بينهم أشخاص معروفون بعدائهم الشديد للإسلام، للدفاع عن تصريحاته المسيئة للمسلمين.
وقال المستشرقون في رسالتهم: "من خلال التحليل المنطقي والدراسة المتأنية للقرآن الكريم كاملا، واعتمادا على مصادر أخرى، فإن الحكم الجزئي الذي أصدره فيلدرز بحق الإسلام والقرآن، ووصفهما بالعنف يتناقض مع الحقائق الجلية والأساليب العلمية لحقيقة الإسلام".
وعرضت الرسالة المفتوحة، التي وصلت محكمة أمستردام نسخة منها نهاية الأسبوع الماضي، للتناقضات في أقوال فيلدرز، وتعمده البحث عما يريد نشره، والتغافل عما لا يريده من الإسلام، موردين آيات استخدمت بعيدة عن سياقها.
فقد أوضح فريد ليمهاوس، وهو مستشرق ترجم القرآن الكريم إلى اللغة الهولندية، أن من بين الآيات التي انتزعها فيلدرز من سياقها في فيلمه "فتنة"، الآية الرابعة من سورة "محمد": {فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاء اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ}، التي ربطها بأحداث 11 سبتمبر في الولايات المتحدة، وأحداث مدريد، في حين أن الآية تتحدث عن حرب قائمة بين جيوش، وليس بين مواطنين أبرياء، وأكد المستشرقون في رسالتهم أن الآية "انتهت بالتعامل مع الأسرى كما هو معمول به في القوانين الدولية الحديثة".
وبشأن استشهاد فيلدرز بالآيتين 60 و 61 في سورة "الأنفال": {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ * وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}.. قال المستشرقون إن ما أورده في الفيلم يتناقض مع الحقائق التي جاءت في الآيتين، موضحين أنهما "تتحدثان عن إعداد الجيوش، وهو ما يقوم به أي جيش في العالم.. بالإضافة إلى انتهاء الآيتين بالدعوة إلى الجنوح للسلام"، مؤكدين أن "السلم هو الأصل والحرب هي الاستثناء".
إهانة المسلمين
ويتهم الادعاء العام فيلدرز (46 عاما)، بـ"إهانة المسلمين بصفتهم فئة من الشعب الهولندي والتحريض على كراهية أتباع الإسلام". وفي حال إدانته يواجه عقوبة السجن لمدة 16 شهرا كحد أقصى، وغرامة تصل إلى عشرة آلاف يورو، بحسب وكالة الأنباء الألمانية.
وتتعلق الاتهامات الموجهة للنائب الهولندي بفيلم "فتنة" الذي أنتجه عام 2008، واتهم فيه القرآن الكريم بالتحريض على العنف، ومزج فيه بين صور لهجمات وصفت بالإرهابية وقعت في بلدان مختلفة في مرحلة ما بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 وبين آيات قرآنية. كما وجهت لفيلدرز اتهامات بسبب تصريحاته في وسائل الإعلام التي شبه فيها الإسلام بالفاشية والقرآن الكريم بكتاب "كفاحي" لأدولف هتلر.
وفي دحض لربط فيلدرز بين الإسلام والعنف، تناول المستشرقون والخبراء في رسالتهم آيات من القرآن الكريم تتحدث عن السلم والتسامح موردين الآية 84 من سورة "البقرة": {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ}، والآية 224: {وَلاَ تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}.
وكذلك الآية 103 من سورة "آل عمران": {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُمْ مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}، والآية 25 من سورة "يونس": {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}.
وشددت الرسالة على أن "تشبيه فيلدرز القرآن بكتاب أدولف هتلر كفاحي يخالف الحقيقة، فكتاب هتلر كتاب عنف وحرب، بينما القرآن كتاب سلم وحرب". وحول اتهام الإسلام بإكراه الناس على الدين، رد ليمهاوس قائلا: إن "القرآن مبني على آية (لا إكراه في الدين) كما ورد في سورة البقرة".
وشددت الرسالة على أن الأديان لا يمكن أن تكون داعية إلى العنف كما يزعم فيلدرز، مؤكدة أن الأديان السماوية كلها جاءت للدعوة إلى السلم. وبيّن المستشرقون أن العنف تمارسه المجموعات والأفراد، وليست الأديان، ولفتت الرسالة إلى أن الإسلام مشتق من الكلمة العربية السلام، مشيرة إلى أن علماء مسلمين وجهوا رسائل عدة في العصر الحديث يدعون فيها إلى سلام عالمي.
18 شاهدا
وتأتي هذه الرسالة في الوقت الذي رفضت فيه المحكمة 15 من أصل 18 شاهدا طالب محامي فيلدرز حضورهم إلى المحكمة، بينهم أشخاص معروفون بعدائهم المعلن للإسلام، بالإضافة إلى شخصيات إسلامية مثل العلامة الدكتور يوسف القرضاوي رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وإمام مسجد السنة في مدينة دنهاخ، ومحمد بوياري قاتل المخرج الهولندي ثيو فان جوخ.
وقبلت المحكمة الاستماع إلى ثلاثة شهود فقط معروفون بعدائهم للإسلام، هم المستشرقان الهولنديان هانس يانسن، وسيمون الأدميرال، والسورية وفاء سلطان التي تعيش في الولايات المتحدة، والمعروفة بانتقاداتها اللاذعة للإسلام.
ووقع على الرسالة التي تناولها عدد من وسائل الإعلام الهولندية، ستة مستشرقين وخبراء معروفون بحياديتهم وهم: فريد ليمهاوس، وجان ميشيل خبير القانون والشريعة، وجيرار فيخيرز خبير الدراسات الدينية، وبيتر فان كونس فالد المتخصص في الدراسات الإسلامية، ورود بيترز أخصائي الفقه الإسلامي والثقافة العربية، والفيلسوف مارليس ديربورج الباحث في القرآن والكتاب المقدس.
نهاية العام
وبدأت إجراءات محاكمة فيلدرز يوم 20-1-2010، ويتوقع مراقبون وقانونيون أن تبدأ جلسات المحاكمة الفعلية في يونيو القادم.
وقالت مصادر مطلعة، طلبت عدم الكشف عن هويتها، ": إن "المحاكمة ستستغرق على الأقل خمس جلسات لإعطاء الفرصة للشهود ولتمكين الدفاع من عرض أفكاره، وهو ما يرجح استمرارها حتى نهاية العام الجاري".
وتجرى محاكمة فيلدرز استجابة لطلب محكمة في يناير الجاري بأن يواجه النائب البرلماني اتهامات، في خطوة ألغت قرارا سابقا للمدعي العام في هذا الشأن، حين رأى أن حق حرية التعبير يكفل الحماية لفيلدرز.